شاركت مملكة البحرين بفاعلية في النقاش المفتوح رفيع المستوى لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي انعقد تحت عنوان "صون مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وصون السلم والأمن الدوليين". وقد جرت هذه المشاركة المهمة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، مما يعكس التزام البحرين الراسخ بالعمل متعدد الأطراف والقضايا الدولية. ترأس هذه الجلسة الهامة وانغ يي، وزير خارجية جمهورية الصين الشعبية، في إشارة إلى الأهمية التي توليها الدول الكبرى لهذه المبادئ الأساسية. وقاد وفد مملكة البحرين الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية، الذي ألقى كلمة شاملة تناولت التحديات الراهنة والرؤى المستقبلية.
وفي كلمته، دعا الدكتور الزياني مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته كاملةً بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة، الذي يشكل الأساس القانوني والأخلاقي للنظام الدولي. وشدد وزير الخارجية البحريني على أن "صون ميثاق الأمم المتحدة يعني صون الأمل في نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً"، مؤكداً بذلك على الدور المحوري للميثاق في بناء عالم يسوده السلام والعدل. وأشار إلى أن هذا الميثاق، الذي تأسست عليه الأمم المتحدة قبل 80 عاماً، لا يزال يمثل حجر الزاوية في العلاقات الدولية ومصدر إلهام للتعاون بين الدول.
وأوضح الدكتور الزياني أن العالم يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة ومتشابكة، تهدد الاستقرار العالمي وتعيق التقدم البشري. وشملت هذه التحديات الأزمات الإنسانية المتفاقمة، والنزاعات المسلحة التي لا تزال تودي بحياة الملايين، وتصاعد ظاهرتي الإرهاب والتطرف العنيف، بالإضافة إلى التهديدات المناخية المتزايدة التي تؤثر على جميع جوانب الحياة. كما تشمل التحديات الطوارئ الصحية العالمية التي تبرز الحاجة إلى تعاون دولي فعال، والمخاطر السيبرانية المتنامية التي تتطلب استجابات أمنية وسياسية مبتكرة.
وأفاد وزير الخارجية أن هذه المناقشة تأتي في وقت يخضع فيه النظام متعدد الأطراف لاختبار حاسم، مما يستدعي تعزيز آليات التعاون الدولي. وشدد على أن مجلس الأمن، بصفته الجهاز الرئيسي المسؤول عن صون السلم والأمن الدوليين، يتحمل مسؤولية جسيمة في تعزيز الجهود الجماعية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين. كما أكد على دور المجلس في تحقيق التنمية المستدامة التي تضمن الرفاهية للأجيال الحالية والمستقبلية، ودعم حقوق الإنسان باعتبارها قيماً كونية لا يمكن المساومة عليها. في هذا السياق، أكد الدكتور الزياني مجدداً التزام مملكة البحرين الراسخ بالمبادئ الأساسية التي تأسست عليها الأمم المتحدة قبل ثمانية عقود، بما في ذلك الاحترام المطلق لسيادة الدولة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بالإضافة إلى الرفض القاطع للتهديد بالقوة أو استخدامها، والتأكيد على التسوية السلمية للنزاعات كسبيل وحيد لحلها.
تحديات عالمية وآفاق السلام
شدد الدكتور الزياني على أن المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة قبل 80 عاماً تظل حجر الزاوية في النظام الدولي، وهي ضرورية لمواجهة التحديات المعاصرة. وأكد على أن معاناة الشعب الفلسطيني، التي طال أمدها وتسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة، يجب أن تظل في صدارة الجهود الدولية لمعالجة الأزمات العالمية. فدون حل عادل وشامل لهذه القضية، سيظل السلام في المنطقة بعيد المنال.
وفي هذا السياق، أكدت مملكة البحرين دعمها الثابت لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وذات السيادة على أراضيهم، وعاصمتها القدس الشرقية. ويأتي هذا الدعم في إطار حل الدولتين، الذي تعتبره البحرين الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لضمان الأمن والاستقرار الدائمين للمنطقة بأسرها. وشددت البحرين على أن تحقيق هذا الحل يتطلب إرادة سياسية دولية قوية والتزاماً جدياً من جميع الأطراف المعنية.
وأفاد وزير الخارجية بدعم البحرين المطلق لتسريع عملية حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، معتبراً ذلك خطوة أساسية ومحورية نحو ترسيخ حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وتعزيز مكانته على الساحة الدولية. كما أعلنت البحرين تأييدها لمخرجات الاجتماع الأول لمجلس السلام، الذي ترأسه الرئيس دونالد ترامب. ويهدف هذا المجلس إلى إنهاء الحرب في غزة بشكل فوري ومستدام، وإطلاق جهود إعادة الإعمار الشاملة للمناطق المتضررة، بالإضافة إلى الشروع في عملية سياسية شاملة تهدف إلى تحقيق سلام دائم وعادل في منطقة الشرق الأوسط، يرتكز على العدالة وحقوق الشعوب.
وأكد الدكتور الزياني أن عملية السلام المقترحة تتماشى تماماً مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، الذي يدعو إلى حل شامل وعادل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وأوضح أن تحقيق السلام الإقليمي المستدام والشامل يعتمد بشكل كبير على تحقيق الاستقرار في مناطق النزاع الرئيسية التي تشهد اضطرابات واسعة النطاق، بما في ذلك الوضع في غزة، والنزاع المستمر في اليمن، والأزمة الإنسانية في السودان، والتوترات في ليبيا، والوضع الهش في لبنان. ويرى الدكتور الزياني أن معالجة هذه الأزمات المتشابكة والمتداخلة أمر حيوي وضروري لضمان أمن واستقرار المنطقة بأسرها، وتوفير بيئة مواتية للتنمية والازدهار.
قضايا إقليمية ودور إيران
في سياق التحديات الدولية والإقليمية التي تؤثر على السلم والأمن، أشار الدكتور الزياني إلى أن انعدام الأمن الغذائي يمثل تحدياً عالمياً خطيراً، يؤثر حالياً على أكثر من 266 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، مما يستدعي استجابة دولية منسقة. كما سلط وزير الخارجية الضوء على تأثير إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي للتجارة العالمية والطاقة. وتقدر الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز بتريليونات الدولارات، مما يؤكد على أهمية حرية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي.
دعت مملكة البحرين جمهورية إيران الإسلامية إلى الامتثال الكامل للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، التي تقتضي الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. كما طالبت البحرين إيران بالالتزام بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2817، الذي حظي بدعم واسع من 136 دولة، مما يعكس الإجماع الدولي على محتواه. طالبت البحرين إيران بالامتثال لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 61/1، الذي يعالج قضايا حقوق الإنسان ويطالب بالشفافية والمساءلة.
وأفاد الدكتور الزياني أن القوات المسلحة البحرينية، بالتعاون الوثيق مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول عربية أخرى، قد تصدت لهجمات إيرانية، مما يؤكد على التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة. وأكدت البحرين دعمها المستمر للجهود الدبلوماسية الجارية التي تتناول برنامج إيران النووي، وتهدف إلى ضمان سلميته ومنع انتشار الأسلحة النووية. كما تدعم البحرين الجهود الدبلوماسية المتعلقة بقدرات إيران الصاروخية، التي تثير قلقاً إقليمياً ودولياً، ودورها في دعم الميليشيات المسلحة في المنطقة، والذي يسهم في زعزعة الاستقرار وزيادة التوترات.
تعزيز التعاون الدولي والإصلاح الأممي
أشار الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية، إلى أن أعداد النازحين قسراً تجاوزت حالياً 123 مليون شخص على مستوى العالم، وهو رقم يعكس حجم الأزمات الإنسانية ويفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مما يبرز الحاجة الملحة والقصوى لتعزيز التعاون الدولي والاستجابة المنسقة. وأكد الزياني أن مملكة البحرين ملتزمة بتعزيز التعاون متعدد الأطراف كنهج أساسي لمواجهة هذه التحديات، مشدداً على أهمية العمل المشترك والتضامن الدولي لمواجهة التحديات العالمية المتزايدة التي لا تعرف حدوداً. وأوضح أن هذا الالتزام ينعكس بوضوح في جهود البحرين الدؤوبة لتقوية التعاون الدولي في معالجة التحديات التكنولوجية والرقمية، التي تتطور بوتيرة سريعة وتطرح فرصاً ومخاطر جديدة، بما في ذلك الشراكات الاستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية في هذا المجال.
وتأتي مبادرات البحرين في هذا الصدد لتعزيز قيم التعايش والسلام والتسامح، التي تعد ركائز أساسية للمجتمع البحريني. ومن أبرز هذه المبادرات مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي، الذي يهدف إلى نشر ثقافة التسامح والتعايش بين مختلف الشعوب والأديان والثقافات، وتعزيز الحوار بين الحضارات. كما تتضمن المبادرات جائزة الملك حمد للتعايش السلمي، التي تُمنح سنوياً للأفراد والمؤسسات التي تسهم بجهود استثنائية في ترسيخ هذه القيم النبيلة عالمياً، وتشجع على التفاهم المتبادل والاحترام.
وفي سياق رؤيتها لتعزيز فعالية النظام الدولي وقدرته على الاستجابة للتحديات، دعت البحرين إلى إصلاح شامل وعميق للأمم المتحدة ومؤسساتها الرئيسية، بما في ذلك مجلس الأمن. وطالبت المملكة بإصلاح يعزز من قدرة هذه الهيئات على الاستجابة بفاعلية أكبر للتحديات الراهنة والمستقبلية، ويضمن تمثيلاً أوسع وأكثر عدلاً للدول الأعضاء، ليعكس التوازنات الجيوسياسية المتغيرة في العالم. وأكد الدكتور الزياني أن هذه الإصلاحات ضرورية وحيوية لضمان استمرارية دور الأمم المتحدة كركيزة أساسية للسلام والأمن الدوليين، وكمنصة جامعة للتعاون العالمي.
موقع البحرين المستقبلي ودورها المتنامي
تستعد مملكة البحرين لتولي عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لدورة 2026-2027، وهو حدث يمثل علامة فارقة ويعكس دورها المتنامي والمؤثر على الساحة الدولية والتزامها الراسخ بمبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها. ويأتي هذا الدور المرتقب في وقت تترأس فيه البحرين مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مما يمنحها منصة إضافية لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي. وتؤكد هذه التطورات مجتمعة سعي البحرين الدؤوب لتعزيز التعاون متعدد الأطراف على كافة المستويات، ودعم الجهود الرامية إلى صون السلم والأمن الدوليين، بما يتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية لتعزيز الاستقرار الإقليمي والعالمي.
كما تسعى البحرين، من خلال موقعها المستقبلي كعضو في مجلس الأمن، إلى الدفع قدماً بمساعي الإصلاح الشامل للأمم المتحدة ومؤسساتها، بما في ذلك مجلس الأمن نفسه، لضمان أن تكون هذه المنظمة العالمية أكثر استجابة وفعالية في مواجهة التحديات المعقدة والملحة الراهنة والمستقبلية. إن التزام البحرين بالسلام والتعاون الدولي يعكس إيمانها بأن الحلول الجماعية هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات العالمية المشتركة وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجميع.