سلط تقرير جديد صادر عن الأمم المتحدة الضوء على التقدم الذي أحرزته البحرين والتزامها بمعالجة التحديات ذات الأولوية، بدءاً من الاستدامة البيئية والرعاية الصحية وصولاً إلى العمل اللائق والمساواة بين الجنسين. ويُبرز هذا التقرير، الذي يعد وثيقة هامة، الخطوات الملموسة التي اتخذتها البحرين للوفاء بخطة عام 2030 لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، مؤكداً على جهودها المستمرة نحو تحقيق مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً.
يُبرز "تقرير النتائج القطرية لعام 2025" الإنجازات الجماعية لفريق الأمم المتحدة القطري (UNCT)، الذي يضم 22 وكالة تابعة للأمم المتحدة تعمل بشكل منسق في البحرين. وذكر التقرير أن "البحرين واصلت طوال عام 2025 تعزيز أهداف رؤيتها الاقتصادية 2030"، مشيراً إلى "اقتصاد أكثر تنوعاً، وعدالة اجتماعية وخدمات عامة أقوى، وشراكات أعمق في الشؤون الإقليمية والعالمية". وأضاف التقرير أن القطاعات غير النفطية قادت النمو الاقتصادي في المملكة، مع أداء قوي ومتميز في مجالات الخدمات المالية والمعلومات والاتصالات والخدمات اللوجستية، مما يعكس نجاح استراتيجيات التنويع الاقتصادي. وشدد التقرير على أن بطالة الشباب والاندماج الكامل للمرأة في القوى العاملة بالقطاع الخاص ظلت "تحديات ذات أولوية، وكذلك العمل على تنويع إيرادات الحكومة بعيداً عن الاعتماد على الهيدروكربونات وضمان الاستدامة المالية". وأكد التقرير أن "هذه الإنجازات تعكس الدبلوماسية النشطة للبحرين والتزامها بالسلام والأمن الدوليين"، مشيداً بدور المملكة في المشهد الدولي.
إطار التعاون التنموي وأولوياته الاستراتيجية
بدأ العام الكامل الأول لتطبيق إطار التعاون التنموي المستدام بين البحرين والأمم المتحدة، والذي جرى توقيعه في عام 2024، مما يمثل مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية. يغطي هذا الإطار الفترة من عام 2025 إلى عام 2029، ويركز على أربعة مجالات استراتيجية رئيسية، وهي: الناس، والازدهار، والسلام، والكوكب. ويهدف هذا التعاون إلى دعم جهود البحرين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تنفيذ برامج ومشاريع مشتركة تخدم هذه المجالات الحيوية، وتضمن تحقيق أقصى قدر من التأثير الإيجابي على المجتمع والبيئة.
توضح البيانات الصادرة عن التقرير أن التمويل المخصص ضمن إطار التعاون قد استُخدم بشكل أساسي لدعم ثلاثة أهداف تنموية رئيسية، مما يعكس الأولويات المشتركة بين البحرين والأمم المتحدة. جاء في مقدمة هذه الأهداف، هدف العمل اللائق والنمو الاقتصادي (الهدف 8 من أهداف التنمية المستدامة)، مما يعكس التركيز على خلق فرص العمل اللائقة وتعزيز بيئة اقتصادية مستدامة وشاملة للجميع. كما حظي العمل المناخي (الهدف 13 من أهداف التنمية المستدامة) بأهمية كبيرة في تخصيص الموارد، مما يؤكد التزام البحرين بمعالجة قضايا التغير المناخي والبيئة، والمساهمة في الجهود العالمية للحد من آثاره. شملت الأولويات الرئيسية هدف الصحة الجيدة والرفاه (الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة)، مما يسلط الضوء على الجهود المبذولة لتحسين جودة الرعاية الصحية وتعزيز الرفاه العام للمجتمع، وضمان حصول الجميع على الخدمات الصحية الأساسية.
الاستثمار في التنمية: مساهمات القطاعات المختلفة
بلغ إجمالي متطلبات الميزانية لبرامج فريق الأمم المتحدة القطري (UNCT) أكثر من 13.8 مليون دولار، وقد تم إنفاق ما يقرب من 6 ملايين دولار من هذا المبلغ، مما يدل على حجم البرامج والمشاريع المنفذة. ساهمت حكومة البحرين بنحو 1.2 مليون دولار في هذه المبادرات، مما يعكس التزامها الراسخ بدعم أهداف التنمية المستدامة وتوفير الموارد اللازمة لتحقيقها.
في سياق متصل، قدم القطاع الخاص مساهمات مالية كبيرة تجاوزت 950 ألف دولار في شكل مساعدات، مما يؤكد الدور الحيوي للشراكة بين القطاعين العام والخاص في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز المسؤولية المجتمعية للشركات. كما تجاوز التمويل الأساسي المقدم من الأمم المتحدة 2.1 مليون دولار، ما يعزز القدرة على تنفيذ البرامج والمشاريع المختلفة وتوسيع نطاق تأثيرها الإيجابي.
على صعيد آخر، أفاد التقرير أن أنظمة الإنذار المبكر متعددة المخاطر (MHEWS) غطت 90 في المائة من السكان، مما يسلط الضوء على التقدم المحرز في تعزيز القدرة على الاستجابة للكوارث وحماية المجتمعات من المخاطر المحتملة، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التحديات.
مبادرات صحية وبيئية تعزز جودة الحياة والوعي
في إطار تعزيز الصحة والرفاهية، حصلت محافظتان بحرينيتان، وهما المحرق والجنوبية، على صفة "مدن صحية" خلال العام الماضي، مما يعكس التزام هذه المحافظات بتطبيق معايير الصحة العالمية في تخطيطها وتنميتها. كما جرى تصنيف جامعتين كـ "جامعات معززة للصحة"، مما رفع العدد الإجمالي للجامعات الحاصلة على هذا التصنيف إلى ثماني جامعات، وهو ما يؤكد على دور المؤسسات التعليمية في نشر الوعي الصحي وتعزيز أنماط الحياة الصحية بين الطلاب والمجتمع الأكاديمي.
على الصعيد البيئي، تم التخلص تدريجياً من 41.09 طن من المواد المستنفدة لطبقة الأوزون من مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون (HCFCs)، مما يفي بالهدف المحدد للبحرين لعام 2025 ضمن بروتوكول مونتريال، ويبرهن على التزام المملكة بحماية البيئة والمساهمة في الجهود الدولية لمكافحة استنزاف طبقة الأوزون. في سياق متصل، وصلت حملة توعية عامة حول ترشيد استهلاك المياه وإعادة استخدامها إلى ما يقرب من مليون شخص، مما يدل على اتساع نطاق هذه المبادرة وأهميتها. أظهرت بيانات المسح أن ما بين 80 إلى 85 في المائة من المستجيبين وجدوا رسائل الحملة المتعلقة بترشيد المياه وإعادة استخدامها مؤثرة، مما يشير إلى فعالية الحملة في إيصال رسالتها. وعبر 65 في المائة من المستجيبين عن استعدادهم لتبني ممارسات توفير المياه، مما يعكس تزايد الوعي البيئي والرغبة في المشاركة الإيجابية.
بهدف تعزيز الغطاء النباتي الحضري وتحسين جودة البيئة في المدن، تم إعداد "دليل الأشجار والشجيرات الحضرية" كمرجع شامل لتخطيط وتشجير المناطق الحضرية. كما جرى تدريب موظفين بلديين متخصصين في مجال الغابات الحضرية، مما يضمن وجود كفاءات محلية قادرة على إدارة وتطوير المساحات الخضراء بشكل مستدام. وساهمت البحرين في إطلاق التقرير الأول لحالة المناخ للمنطقة العربية، مما يعزز الجهود الإقليمية في مواجهة التغيرات المناخية ويوفر بيانات وتحليلات قيمة لاتخاذ قرارات مستنيرة.
تمكين المرأة والشباب ودعم العمال: مبادرات شاملة
في إطار دعم العمال المهاجرين وتعزيز حمايتهم، جرى تدريب 95 شخصًا على التدخل في حالات الانتحار، بهدف تقديم الدعم النفسي لهذه الفئة المعرضة للخطر وتزويدهم بالمهارات اللازمة للتعامل مع الأزمات. كما نُظمت برامج توجيهية لـ 296 من أرباب العمل المنزليين و42 عاملة منزلية، لتعزيز بيئة عمل عادلة وآمنة، وتوعية الطرفين بحقوقهما وواجباتهما، مما يضمن علاقات عمل صحية ومحترمة.
على صعيد تمكين الشباب وتنمية مهاراتهم، شارك 781 طالبًا من 79 مدرسة في نسختين من أولمبياد المدارس، وقدموا 164 مشروعًا مبتكرًا، مما يعكس الاهتمام بتنمية مهاراتهم وقدراتهم الإبداعية والعلمية، وتشجيعهم على الابتكار والمساهمة في التنمية. وفي مجال مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، شارك أخصائي بحريني في تدريب إقليمي للمدربين حول العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسر بالتكنولوجيا (TFGBV) الذي عقد في القاهرة، بهدف تعزيز القدرات المحلية والإقليمية في هذا المجال الحيوي، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات.
إلى ذلك، دعم برنامج مدته خمس سنوات حول المرأة في التكنولوجيا أكثر من 50 شركة ناشئة تقودها نساء، مساهمًا في تعزيز ريادة الأعمال النسائية والابتكار في القطاع التكنولوجي، وفتح آفاق جديدة للمرأة في مجال الأعمال. وقد جرى توزيع أكثر من 305 آلاف دولار أمريكي كتمويل جوائز على 19 مشروعًا، مما يوفر دعمًا ماليًا حيويًا لهذه المبادرات الواعدة ويساعدها على النمو والتوسع، ويؤكد على أهمية الاستثمار في المشاريع التي تقودها النساء.
التحديات الإقليمية والجهود المستمرة ودور البحرين الدبلوماسي
في سياق التحديات الإقليمية والدولية، انتخبت البحرين عضواً غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2026-2027، مما يعكس ثقة المجتمع الدولي في دور المملكة وقدرتها على المساهمة في حفظ الأمن والسلم الدوليين. يأتي هذا التطور بعد أن تولت البحرين رئاسة المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في العام الماضي، مما يؤكد على مكانتها المتنامية في الدبلوماسية الإقليمية والدولية. واعترف التقرير بأن الصراعات الإقليمية تمثل تحدياً قد يؤثر على التنمية، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة عملت مع الحكومة للحفاظ على استمرارية العمليات وحماية الموظفين والبرامج التي تخدم الفئات السكانية الضعيفة، مما يضمن استمرار تقديم المساعدات والخدمات الأساسية حتى في ظل الظروف الصعبة. وأفاد التقرير بأن "هذه الإنجازات تعكس دبلوماسية البحرين النشطة والتزامها بالسلام والأمن الدوليين"، مؤكداً على سعي المملكة الدائم لتعزيز الاستقرار والتعاون على المستويين الإقليمي والعالمي.